كريم نجيب الأغر

429

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

وتمتص الدماء ، أو أنه يظهر على شكل قطعة دم رطبة وجامدة ، حيث يكون الجنين في هذه الفترة قد تشكّل وتطور وتمّ خلق جميع أعضائه ، والجنين بعد اليوم الثمانين ، وإلى اليوم المائة والعشرين ، لا يمكن وصفه بحال بأنه مضغة لا شكل فيها ولا تخطيط ، أو أنه مخلق وغير مخلق ، حيث تكون جميع أجهزة الجنين قد تخلقت ، والجنين نفسه في منتهى الحيوية والنشاط ويمارس جميع حركاته وانفعالاته . ويتبين لنا من هذا التعليق أن العلم الحديث ، الذي قفز قفزات نوعية ، يطابق القرآن وحديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بشكل يقيني ، ولا يمكن أن يتعارض معه ، وبالتالي لا يمكن تجاهل الوسائل العلمية اليقينية لتبيان المجمل من النصوص الشرعية ، إن أشكل علينا التوفيق بينها . وبعد : فيتضح لنا أن الأحاديث الواردة متفقة على ذكر الأربعين ، ولكن مختلفة في القدر ما بعد الأربعين ببعض الأيام ، فهناك روايات تنص على أربعين وأخرى تنص على اثنين وأربعين وأخرى على ثلاث وأربعين وأخرى على خمسة وأربعين وأخرى تجمل هذا وتزيد فتنص على بضع وأربعين يوما ، ومعنى البضع من ثلاثة إلى تسعة في اللغة العربية ، وهذا لا ينافي الناحية العلمية ، لأنه من الطبيعي أن تختلف الأجنة ويختلف نموها ، والعدد المذكور في النص إنما هو تقريبي وليس للتحديد . وبعد هذا البحث كله نصل إلى أن الفتوى التي تجيز إسقاط الجنين قبل مائة وعشرين يوما لأن الملك لم ينفخ الروح في الجنين كلام غير صحيح ، وأن إسقاط الجنين قبل مائة وعشرين يوما وبعد أربعين يوما يعدّ قتل نفس لأن الملك يكون قد نفخ في الجنين الروح ، والشريعة الإسلامية تمنع منعا جازما هذا الفعل لقول اللّه تعالى : وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ . . . [ الإسراء : 33 ] . ويجب أن يصدر حكم من كل المؤتمرات الإسلامية والمجامع الفقهية ومن كل فقيه مجتهد مستقل ، وكل مفت رسمي بتحريم الإسقاط بتاتا بعد مدة الأربعين وقبل مدة المائة وعشرين يوما وبعدها ، وأي تفريط من هذا الجانب يعدّ تفريطا شرعيا كبيرا وخرقا لحق الإنسان ، واعتداء على الإنسانية جمعاء « 1 » .

--> ( 1 ) وليس هذا فحسب ، بل هناك مسائل كثيرة يمكن أن تدخل فيها هذه المسألة ، ويتكرر النداء مرة أخرى لكل فقيه أن يتأمل مليا في معطيات هذا العلم المكتشف لتصح فتواه ، فإذا كانت الروح قد نفخت بعد أربعين يوما فالجنين بعدها إنسان ، تنطبق عليه جميع أحكام الإنسان الحي ، فإذا سقط بعد الأربعين صلّي عليه ، وإذا أسقط لزمت ديته ، ويستحب - كما عند الجمهور أو يجب كما عند ابن حزم - دفع صدقة الفطر عنه جنينا ، إذا مرّ على حمله أربعون يوما كما مرّ . إلى غير هذا من مسائل .